الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
31
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
تنتجوا بوزن تنتهوا . والأمر من قوله : وَتَناجَوْا بِالْبِرِّ مستعمل في الإباحة كما اقتضاه قوله تعالى : إِذا تَناجَيْتُمْ . والإثم والعدوان ومعصية الرسول تقدمت . وأما البرّ فهو ضد الإثم والعدوان وهو يعم أفعال الخير المأمور بها في الدين . و التَّقْوى : الامتثال ، وتقدمت في قوله تعالى : هُدىً لِلْمُتَّقِينَ في سورة البقرة [ 2 ] . وفي قوله : الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ تذكير بيوم الجزاء . فالمعنى : الذي إليه تحشرون فيجازيكم . [ 10 ] [ سورة المجادلة ( 58 ) : آية 10 ] إِنَّمَا النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضارِّهِمْ شَيْئاً إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ( 10 ) تسلية للمؤمنين وتأنيس لنفوسهم يزال به ما يلحقهم من الحزن لمشاهدة نجوى المنافقين لاختلاف مذاهب نفوسهم إذا رأوا المتناجين في عديد الظنون والتخوفات كما تقدم . فالجملة استئناف ابتدائي اقتضته مناسبة النهي عن النجوى ، على أنها قد تكون تعليلا لتأكيد النهي عن النجوى . والتعريف في النَّجْوى تعريف العهد لا محالة . أي نجوى المنافقين الذين يتناجون بالإثم والعدوان ومعصية الرسول صلى اللّه عليه وسلّم . والحصر المستفاد من إِنَّمَا قصر موصوف على صفة و مِنَ ابتدائية ، أي قصر النجوى على الكون من الشيطان ، أي جائية لأن الأغراض التي يتناجون فيها من أكبر ما يوسوس الشيطان لأهل الضلالة بأن يفعلوه ليحزن الذين آمنوا بما يتطرقهم من خواطر الشر بالنجوى . وهذه العلة ليست قيدا في الحصر فإن للشيطان عللا أخرى مثل إلقاء المتناجين في الضلالة ، والاستعانة بهم على إلقاء الفتنة ، وغير ذلك من الأغراض الشيطانية . وقد خصت هذه العلة بالذكر لأن المقصود تسلية المؤمنين وتصبرهم على أذى المنافقين ولذلك عقب بقوله : وَلَيْسَ بِضارِّهِمْ شَيْئاً ليطمئن المؤمنون بحفظ اللّه إياهم من ضر الشيطان . وهذا نحو من قوله تعالى : إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ [ الحجر : 42 ] .